فخر الدين الرازي

80

تفسير الرازي

كانوا يكرهون سماع الوعيد فكرر لذلك ونون للتأكيد تقتضي كون تلك الرؤية اضطرارية ، يعني لو خليتم ورأيكم ما رأيتموها لكنكم تحملون على رؤيتها شئتم أم أبيتم وثانيها : أن أولهما الرؤية من البعيد : * ( إذا رأتهم من مكان بعيد ، سمعوا لها تغيظاً ) * وقوله : * ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) * والرؤية الثانية إذا صاروا إلى شفير النار وثالثها : أن الرؤية الأولى عند الورود والثانية عند الدخول فيها ، قيل : هذا التفسير ليس بحسن لأنه قال : * ( ثم لتسألن ) * والسؤال يكون قبل الدخول ورابعها : الرؤية الأولى للوعد والثانية المشاهدة وخامسها : أن يكون المراد لترون الجحيم غير مرة فيكون ذكر الرؤية مرتين عبارة عن تتابع الرؤية واتصالها لأنهم مخلدون في الجحيم فكأنه قيل لهم : على جهة الوعيد ، لئن كنتم اليوم شاكين فيها غير مصدقين بها فسترونها رؤية دائمة متصلة فتزول عنكم الشكوك وهو كقوله : * ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت - إلى قوله - فارجع البصر كرتين ) * بمعنى لو أعدت النظر فيها ما شئت لم تجد فطوراً ولم يرد مرتين فقط ، فكذا ههنا ، إن قيل : ما فائدة تخصيص الرؤية الثانية باليقين ؟ قلنا : لأنهم في المرة الأولى رأوا لهباً لا غير ، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات المؤذية ، ولا شك أن هذه الرؤية أجلى ، والحكمة في النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى التفريع على ترك النظر لأنهم كانوا يقتصرون على الظن ولا يطلبون الزيادة . المسألة السابعة : قراءة العامة لترون بفتح التاء ، وقرئ بضمها من رأيته الشيء ، والمعنى أنهم يحشرون إليها فيرونها ، وهذه القراءة تروي عن ابن عامر والكسائي كأنهما أرادا لترونها فترونها ، ولذلك قرأ الثانية : * ( ثم لترونها ) * بالفتح ، وفي هذه الثانية دليل على أنهم إذا أروها رأوها وفي قراءة العامة الثانية تكرير للتأكيد ولسائر الفوائد التي عددناها ، واعلم أن قراءة العامة أولى لوجهين الأول : قال الفراء : قراءة العامة أشبه بكلام العرب لأنه تغليظ ، فلا ينبغي أن الجحيم لفظه الثاني : قال أبو علي المعنى في : * ( لترون الجحيم ) * لترون عذاب الجحيم ، ألا ترى أن الجحيم يراها المؤمنون أيضاً بدلالة قوله : * ( وإن منكم إلا واردها ) * وإذا كان كذلك كان الوعيد في رؤية عذابها لا في رؤية نفسها يدل على هذا قوله : * ( إذ يرون العذاب ) * وقوله : * ( وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ) * وهذا يدل على أن لترون أرجح من لترون . * ( ثُمَّ لَتُسْالُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) * . قوله تعالى : * ( م لتسألن يومئذ عن النعيم ) * فيه قولان : المسألة الأولى : في أن الذي يسأل عن النعيم من هو ؟ فيه قولان : أحدهما : وهو الأظهر أنهم الكفار ، قال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ويدل عليه وجهان الأول : ما روى أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية ، قال يا رسول الله : أرأيت